[center]

وتمايز الماء في البحار العميقةوالمحيطات إلي كتل سطحية‏,‏ وكتل متوسطة‏,‏ وكتل شبه قطبية‏,‏ وكتل حولقطبية ولايتمايز الماء إلي تلك الكتل إلا في البحار شديدة العمق‏,‏ ومنهنا فإن الأمواج الداخلية لاتتكون إلا في مثل تلك البحار العميقة‏,‏ ومنهنا أيضا كان التحديد القرآني بالوصف بحر لجي إعجازا غير مسبوق‏.‏
وتتكون الأمواج الداخلية عند الحدودالفاصلة بين كل كتلتين مائيتين مختلفتين في الكثافة‏,‏ وهي أمواج ذاتأطوال وارتفاعات تفوق أطوال وارتفاعات الأمواج السطحية بمعدلات كبيرة‏,‏حيث تتراوح أطوالها بين عشرات ومئات الكيلومترات‏,‏ وتصل سعتها‏(‏ أيارتفاع الموجة‏)‏ إلي مائتي متر‏,‏ وتتحرك بسرعات تتراوح بين‏100,5‏سنتيمتر في الثانية لمدد تتراوح بين أربع دقائق وخمس وعشرين ساعة‏.‏

وعلي الرغم من ذلك فهي أمواج لايمكنرؤيتها بطريقة مباشرة‏,‏ وإن أمكن إدراك حركتها بأجهزة ميكانيكيةوذلكبواسطة عدد من القياسات للاضطرابات التي تحدثها تلك الأمواج الداخلية‏,‏وهذا ايضا مما يجعل الاشارة القرآنية إليها إعجازا لاينكره إلا جاحد‏.‏
كذلك يبدأ تكون الأمواج الداخليةعلي عمق‏40‏ مترا تقريبا من مستوي سطح الماء في المحيطات حيث تبدأ صفاتالماء فجأة في التغير من حيث كثافتها ودرجة حرارتها‏,‏ وقد تتكرر عليأعماق أخري كلما تكرر التباين بين كتل الماء في الكثافة‏,‏ وعجز الانسانفي زمن الوحي ولقرون متطاولة من بعده عن الغوص إلي هذا العمق الذي يحتاجإلي أجهزة مساعدة خاصة مما يقطع باعجاز علمي في هذه الآية الكريمةبإشارتها إلي تلك الأمواج الداخلية‏,‏ وهي أمواج لم يدركها الإنسان إلا فيمطلع القرن العشرين‏(‏ سنة‏1904‏ م‏).‏

ومن فوق هذه الأمواج الداخلية تأتيالأمواج السطحية ومايصاحبها من العواصف البحرية والتي يحركها كل من الرياحوالجاذبية والهزات الأرضية‏,‏ ودوران الأرض حول محورها من الغرب إليالشرق‏,‏ وحركات المد والجزر الناتجة عن جاذبية كل من الشمس والقمر‏,‏وغير ذلك من العوامل المعروفة وغير المعروفة‏,‏ وهذه الأمواج السطحية هيأحد العوائق أمام مرور كل أشعة الشمس الساقطة علي أسطح البحاروالمحيطات‏,‏ في مائها والوصول إلي أعماقها‏,‏ ولذلك فهي أحد أسباب ظلمةتلك الأعماق‏,‏ بالإضافة إلي تحلل تلك الأشعة إلي أطيافها وامتصاصهابالتدريج في الماء‏.‏
ومن فوق هذه الأمواج السطحية تأتيالسحب التي تمتص وتشتت وترد إلي صفحة السماء حوالي‏49%‏ من مجموع أشعةالشمس الواصلة إلي نطاق التغييرات المناخية فتحدث قدرا من الظلمة النسبيةالتي تحتاجها الحياة علي سطح الأرض‏.‏


فسبحان الذي أنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة قوله الحق‏:‏
أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج منفوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومنلم يجعل الله له نورا فما له من نور‏.(‏ النور‏:40)‏
والآية الكريمة جاءت في مقامالتشبيه‏,‏ ولكنها علي الرغم من ذلك جاءت في صياغة علمية دقيقة غايةالدقة‏,‏ ومحكمة غاية الإحكام شأن كل الآيات القرآنية‏,‏ونزلت هذه الآيةالكريمة في زمن لم يكن لأحد من الناس إلمام بتلك الحقائق العلمية ولابطرفمنها‏,‏ وظلت أجيال الناس جاهلة بها لقرون متطاولة بعد زمن الوحي حتي تمالإلمام بشيء منها في مطلع القرن العشرين‏.‏

ومع افتراض أن أحدا من الناس قدأدرك في القديم دور السحب في إحداث شيء من الظلمة علي الأرض ودور الأمواجالسطحية في إحداث شيء من ذلك علي قيعان البحار والمحيطات‏(‏ وهو افتراضمستبعد جد‏)‏ فان من أوضح جوانب الإعجاز العلمي‏(‏ أي‏:‏ السبق العلمي‏)‏في هذه الآية الكريمة هو تلك الإشارة المبهرة إلي الأمواج الداخلية‏
(InternalWaves)‏
وهي أمواج لايمكن رؤيتها بالعين المجردة أبدا‏,‏ ولكن يمكن إدراكها بعدد من القياسات غير المباشرة‏.‏
ومن جوانب السبق العلمي في هذهالآية الكريمة أيضا الإشارة إلي الحقيقة المعنوية الكبري التي تصفها الآيةبقول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):..‏ ومن لم يجعل الله له نورا فما له مننور‏.‏
ثم تفاجئنا البحوث العلمية أخيرابواقع مادي ملموس لتلك الحقيقة بالإضافة إلي مضمونها المعنوي الجميل‏,‏فقد كان العلماء إلي عهد قريب جدا لايتصورون إمكانية وجود حياة في أغوارالمحيطات العميقة‏,‏ أولا للظلمة التامة فيها‏,‏ وثانيا للبرودة الشديدةلمائها‏,‏ وثالثا للضغوط الهائلة الواقعة عليها‏(‏ وزن عمود الماء بسمكيصل إلي أربعة كيلومترات في المتوسط‏),‏ ورابعا للملوحة المرتفعة أحيانالذلك الماء‏,‏ ولكن بعد تطوير غواصات خاصة لدراسة تلك الأعماق فوجيء دارسوالأحياء البحرية بوجود بلايين الكائنات الحية التي تنتشر في تلك الظلمةالحالكة وقد زودها خالقها بوسائل إنارة ذاتية في صميم بنائها الجسدي تعرفباسم الإنارة الحيوية‏
(Bioluminescence),‏ وتنتج هذه الإنارة العجيبة عن طريق تفاعل فريد من نوعه بين جزئ لمركب كيميائي عضوي اسمه ليوسيفيرين‏
(Luciferin)‏ وجزئ الأوكسجين في وجود إنزيم خاص اسمه ليوسيفيريز‏ (Luciferase),‏
ويمثل هذا التفاعل الفريد عمليةالأكسدة الوحيدة المعروفة لنا في أجساد الكائنات الحية التي لا يصاحبهاإنتاج قدر مدرك من الحرارة‏,‏ ومن العجيب أن كل نوع من أنواع هذه الأحياءالخاصة والتي تحيا في بيئات من الظلمة التامة له أنواع خاصة من المركباتالكيميائية المنتجة للضوء‏,‏ وله إنزيماته الخاصة أيضا‏,‏ والسؤال الذييفرض نفسه‏:‏ من غير الله الخالق يمكنه ان يعطي كل نوع من أنواع تلكالأحياء البحرية العميقة‏,‏ هذا النور الذاتي؟ وهنا يتضح البعد الماديالملموس لهذا النص القرآني المعجز‏,‏ كما يتضح بعده المعنوي الرفيع‏:‏ ومنلم يجعل الله له نورا فما له من نور‏,‏ فسبحان الذي أنزل القرآن الكريم‏,‏أنزله بعلمه علي خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه لنا بلغة وحيه‏(‏ اللغةالعربية‏)‏ حفظا كاملا بكل حرف‏,‏ وكل كلمة‏,‏ وكل آية وكل سورة‏,‏ فجاءذلك كله معجزا غاية الاعجاز فالحمد لله رب العالمين علي نعمة القرآن وصليالله وسلم وبارك علي نبينا محمد وعلي آله وصحبه وسلم .


اللهم اني اسألك علما نافعا ورزقا طيبا وعملا متقبلا
..................................
اللهم اجعل لي نورا وأعظم لي نورا
.....................
*****
***
*